تلك الأيام التي أقسم الله بها في كتابه العزيز، وجعلها ميدانًا لسباق الصالحين. ومن أعظم القربات فيها شعيرة "الأضحية"، تلك السنة المؤكدة من أعظم القربات التي يتقرب بها المسلم لربه، التي تحمل معاني الاستسلام لله والاتباع لنهج الخليلين -عليهما السلام-. غير أن هذه العبادة ليست مجرد إراقةِ دم، بل هي منظومة من الآداب والأحكام التي تربط المسلم ببيت الله الحرام وبأركان الإسلام العظام.
حُكمُ الإمساكِ عن الشعر والأظفار لِمَن أرادَ الأضحية.📜
جاءت السنة النبوية المطهرة ببيان واضح لمن أراد التضحية.
فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضى الله عنها: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: « إِذَا رَأَيْتُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعَْرِهِ وَأَظْفَارِهِ .»
وفي رواية: « مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ، فَإِذَا أُهِلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ، فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعَْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ .(1)»
وقد فصل الإمام النووي -رحمه الله- هذا المعنى بقوله: «والمراد بالنهي عن الحلق والقلم المنع من إزالة الظفر بقلم أو كسر أو غيره والمنع من إزالة الشعر بحلق أو تقصير أو نتف أو إحراق أو بنورة وغير ذلك وسواء شعر العانة والإبط والشارب وغير ذلك
قال إبراهيم المروذي.. وحكم سائر أجزاء البدن حكم الشعر والظفر».(2).
فإذا ثبت دخول شهر ذي الحجة وأراد أحدٌ أن يضحي فإنه يحرم عليه أخذ شيء من شعر جسمه أو قص أظفاره أو شيء من جلد ، للأمر الصحيح الصريح في حديث أم سلمة. [وهذا القول هو الراجح]
ويرى بعض العلماء أنه مكروه كراهة تنزيه، أي أن فاعله لا يأثم، لكنه فوت فضلاً عظيمًا.
والراجح والأحوط للمسلم هو الامتثال والابتعاد عن الأخذ خروجاً من الخلاف، وتعظيماً للسنة. ومع ذلك، فإن من أخذ من شعره - سواء كان عامداً أو ناسياً - فإن أضحيته صحيحة ومقبولة بإذن الله، ولا فدية عليه ولا كفارة، لكن عليه الاستغفار إن كان متعمداً.
قال ابن قدامه رحمه الله تعالى: «يتْرُكُ قَطْعَ الشَّعَرِ وتَقْلِيمَ الأظفارِ، فإنْ فَعَلَ اسْتَغْفَرَ اللَّه تعالَى. ولا فِدْيَةَ فيه إجْماعًا، سواءٌ فَعَلَه عَمْدًا أو نِسْيانًا».(3)
وهذا الحكم يربي في المسلم الانضباط والامتثال لأمر الشارع الحكيم في أدق التفاصيل.
حُكمُ مَن عزمَ على الأُضحية بعد دخول العشر
من المسائل التي يكثر السؤال عنها: ماذا لو نوى المسلم الأضحية بعد دخول العشر؟
العبرة بوقت عقد النية. فمن دخلت عليه العشر ولم يكن في حسبانه أن يضحي، ثم تيسر له الأمر في اليوم الثالث أو الخامس مثلاً، فإنه يبدأ الإمساك من لحظة عقده للنية. وما أخذه قبل النية لا حرج عليه فيه إطلاقًا، ولا إثم عليه، لأن التكليف مرتبط بالعزم والنية.
إن هذا التيسير الفقهي يعكس مرونة الشريعة، ويفتح باب الأمل لمن لم يتيسر له المال إلا في وقت متأخر، فلا يحرم نفسه من الفضل بحجة أنه أخذ من شعره قبل ذلك.
